الثلاثاء، 12 نوفمبر، 2013

شهر الله المحرم - تاسوعاء وعاشوراء









الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:



عاشوراء هو عاشر المحرم الحرام وصيامه على مرتبتين:
الأُولى: صيامُه مفردًا، وكان هذا هو فعله صلى الله عليه وسلم لمَّا كان صيامُه فرضًا ، ثمَّ استمرَّ عليه حين صار نَفْلًا ، وعزَم آخرَ عمرِهِ أن يصومَ معه التَّاسع ، كما في حديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما؛ أنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لمَّا صام عاشوراءَ ، وأمرَ بصيامِهِ ، قالوا: يا رسولَ اللهِ إنَّه يومٌ تُعَظِّمُه اليهودُ و النَّصارى ، فقال رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان العامُ المقبِلُ – إن شاء الله – صُمنا اليومَ التَّاسعَ)، قال: فَلَمْ يأتِ العامُ المقبِلُ حتَّى تُوفِّيَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. رواه مسلمٌ ، وفي روايةٍ له : (لَئِن بَقِيتُ إلى قابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسعَ).
وكان مُحرِّكُ عزمِهِ هو طلبُ مخالفةِ اليهودِ والنَّصارى ، وقد صحَّ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما موقوفًا: (صوموا التَّاسع و العاشرَ ، وخالفوا اليهودَ) رواه عبدالرَّزَّاق في مصنفه ، -ومن طريقه البيهقيُّ في السُّننِ الكبرى- ، وسعيدُ بن منصورٍ في السُّننِ -قال شيخنا في الحاشية:ساق إسنادَه ومتنَه ابنُ تيميَّة في اقتضاء الصِّراط المستقيم 1/284-، والطَّحاويُّ في شرح معاني الآثار ، وإسناده صحيحٌ.
ومخالفةُ أهلِ الكتابِ مأمورٌ بها إمَّـا فرضًا و إمَّـا نَفْلًا ، ويُستفاد منها تأكيدُ استحبابِ صيام التَّاسعِ مع العاشر ، أمَّـا كراهية الإفراد – وهو مذهب الحنفيَّة- فلا تُستفاد من المنقول ؛ لأنَّ تعظيمه وقع مشابهةً لا تشبُّهًا ، والثَّاني هو متعلَّق النَّهي الوارد في أبوابه.
فصيام عاشوراءَ وحدَه مستحبُّ ، وضمُّ التَّاسعِ إليه آكدُ استحبابًا.
والثَّانية : صيامُه وصيامُ غيرِه من أيَّام شهر المحرَّمٍ معه، وهذه المرتبة أربعةُ أنواعٍ:
النَّوع الأوَّل: صيامُه ويومًا قبلَه ، وهو التَّاسع ، وتقدَّم دليله ، وأنَّه مستحبٌ استحبابًا مؤكَّدًا.
النَّوع الثَّاني: صيامُه ويومًا بعدَه ، وهو الحادي عشرَ، لحديث ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما مرفوعًا:(صوموا قبلَه يومًا ، أو بعده يومًا) رواه أحمدُ بإسنادٍ ضعيفٍ.
وهو إن لم يصحَّ روايةً، لكنَّ النَّظرَ يقتضيه؛ لتحقُّق المخالفةِ بصيامه لمن لم يصُمِ التَّاسعَ، فعِلَّةُ صيام التَّاسع: طلبُ مخالفة اليهود والنَّصارى ، وهي موجودةٌ إن صِيمَ الحادي عشرَ بدلَهُ مع العاشر.
النَّوع الثَّالث : صيامُه ويومًا قبلَه ويومًا بعدَه ، وهذا النَّوع ثلاثة أقسامٍ:
الأوَّل: صيامُ الثَّلاثة بنيَّة التَّقرُّب بها صفةً لصيام عاشوراءَ ، وهي مرويَّةٌ عند البزَّار في مسنده ، والبيهقيِّ في السُّنن الكبرى – واللَّفظ له- من حديث ابن عبَّاسٍ مرفوعًا: (صوموا قبلَه يومًا ، و بعده يومًا) ، وإسناده ضعيفٌ.
الثَّاني: صيامُها احتياطًا لـيَتيقَّن موافقةَ يومِ صومِه يومَ عاشوراءَ ، وهذا مستحبٌّ إن اشتبه دخولُ الشَّهر لا إن حُقِّق.
الثَّالث: صيامُها بنيَّةِ صيامِ عاشوراءَ وثلاثةِ أيامٍ من كلِّ شهرٍ، فينوي صيامَ ثلاثةِ أيَّام من الشَّهر ، وذلك مستحبٌّ اتِّفاقًا ، ويُدرجُ فيها صيامَ عاشوراءَ بنيَّته الخاصَّة ، فيُصيبُ بصيام العاشر عملينِ ( صيامِ عاشوراءَ ، وصيامَ يومٍ من الثَّلاثةِ المستحبَّة كلِّ شهرٍ)؛ لصحَّة اجتماعهما في فعلٍ واحدٍ مع نيَّتهما جميعًا.
النَّوع الرَّابع: صيامُه وصيامُ يومٍ أو أكثرَ من أيَّام شهر المحرَّمٍ ، غيرِ سابِقه ولاحقِه، وفيه يكونُ صيامُ عاشوراءَ مُفرَدًا، فيرجِع إلى المرتبة الأُولى ، وإن نواه من ثلاثة أيَّامٍ متفرِّقةٍ في الشَّهر أصابها ، أو نواه في صيام المحرَّم أصابه.




وغايةُ المقالِ أنَّ الصِّفةَ الأتمَّ في صيام عاشوراء؛ هي صيامُه مع التَّاسع.
فطوبى لم طلب الأتمَّ ، وكان شُغْلَ نفسِه الأهمَّ ، وتحرَّى صيامَ اليومين كلَّ عامٍ، وأدام صومَهما بلا انفصامٍ، ففي الصَّحيحين-واللَّفظ للبخاريِّ-عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما، قال: ما رأيتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يتحرَّى صيامَ يومٍ فَضَّلَهُ على غيرِهِ؛ إِلَّا هذا اليومَ: يومَ عاشوراءَ ، وهذا الشَّهرَ – يعني شهرَ رمضانَ.
قال ابن رجبٍ فأحسن – وبمثلها تُعْرَف مدارك الفهم ، ويُفرَّق بين الألمعيِّ والفدْم- قال: وابن عبَّاسٍ إنَّما صحب النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بأخَرَة، وإنَّما عَقَل منه صلى الله عليه وسلم من آخر أمره. انتهى كلامه.
وعن معاويةَ بنِ صالحٍ؛ أنَّ أبا جَبَلةَ- وهو شاميٌّ لا يُعرَف اسمُه – حدَّثه ، قال: كنتُ معَ ابن شهابٍ – يعني الزُّهريَّ- في سفرٍ فصام يومَ عاشوراءَ ، فقيل له: تصومُ يومَ عاشوراءَ في السَّفرِ، وأنت تفطرُ في رمضانَ؟! قال: إنَّ رمضانَ له عِدَّةٌ من أيَّامٍ أُخَرَ، وإنَّ عاشوراءَ يفوتُ. رواه البيهقيُّ في شُعَب الإيمان).
من كتاب "مجلسُ عاشوراءَ في المسجد النَّبويِّ الشّريفِ" لفضيلة الشيخ صالح بن عبدالله العصيمي حفظه الله ص 19-24.


---------------------------------------------------------------------------
 
هل يصام شهر المحرم كله؟؟؟



روى مسلم وغيره عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال : «أفضلُ الصِّيام بعدَ رَمضانَ : شهرُ الله المُحَرَّم ، وأفْضَلُ الصَّلاةِ بعدَ الْمَكْتُوبَةِ : صلاةُ الليل».

وفي رواية قال : «سُئِلَ : أيُّ الصَّلاةِ أفضلُ بعدَ المكتوبَةِ ، وأيُّ الصِّيامِ أفضلُ بَعْدَ شَهْر رَمَضانَ ؟

قال : "أفضلُ الصَّلاةِ بعد المكْتُوبَةِ : الصَّلاةُ في جَوْفِ اللَّيْلِ ، وأفضلُ الصِّيام بعد شَهْرِ رَمضانَ: صِيام شَهرِ الله المُحَرَّم».

وقال الإمام أبو عبيد: إنما نسبه إلى الله عز وجل - والشهور كلها له - لتشريفه وتعظيمه وكل معظم ينسب إليه وإنما خصه بقوله  ( المحرم ) دون باقي المحرمات لأنه كان معروفا بذلك الاسم.

وقال النووي رحمه الله:

أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم:

تصريح بأنه أفضل الشهور للصوم وقد سبق الجواب عن إكثار النبى صلى الله عليه و سلم من صوم شعبان دون المحرم وذكرنا فيه جوابين:

أحدهما: لعله انما علم فضله في آخر حياته.

والثاني: لعله كان يعرض فيه أعذار من سفر أو مرض أو غيرهما.

وفي شرح الزرقاني للموطأ حول الحديث: فكيف أكثر منه في شعبان دونه؟

أجيب باحتمال أنه لم يعلم فضل المحرم إلا في آخر حياته قبل التمكن من صومه.

أو لعله كان يعرض له أعذار تمنع من إكثار الصوم فيه كسفر ومرض وغيرهما.

وقد عورض هذا الحديث بما في الصحيحين من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن عائشة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يصوم شهرا أكثر من شعبان فإنه كان يصوم شعبان كله.

وجمع بينهما بأن المراد بكله غالبه لحديث الباب فهو مفسر لهذا فأطلق الكل على الأكثر.

وقد قال ابن المبارك: جائز في كلام العرب إذا صام أكثر الشهر أن يقول صام الشهر كله.

ويقال قام فلان ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره نقله الترمذي.

وقال كأنه جمع بين الحديثين بذلك.

فالمراد بالكل الأكثر، وهو مجاز قليل الاستعمال.

واستبعده الطيبي بأن كل تأكيد لإرادة الشمول، ودفع التجوز من احتمال البعض فتفسيره بالبعض مناف له انتهى.

لكن ذلك لا يمتنع هنا لما علم أن الحديث يفسر بعضه، خصوصا والمخرج متحد .

ويكفي نقل ابن المبارك له عن العرب ومن حفظ حجة.

وفي مسلم من وجه آخر عن أبي سلمة عنها كان يصوم شعبان كله قال يصوم شعبان إلا قليلا ولم يعين فاعل قال.



واستبعده الحافظ العراقي بأن في الترمذي عن أم سلمة قالت ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان فعطف رمضان عليه يبعد أن يكون المراد بشعبان أكثره إذ لا يجوز أن المراد برمضان بعضه، والعطف يقتضي المشاركة فيما عطف عليه وإن مشى ذلك فإنما يمشي على رأي من يقول إن اللفظ الواحد يحمل على حقيقته ومجازه، وفيه خلاف لأهل الأصول.

قال غيره بل لا يمشي ذلك على هذا القول أيضا، لأن من قال ذلك قاله في اللفظ الواحد وما هنا لفظان شعبان ورمضان انتهى.

وهو أيضا استبعاد لا يمنع إرادته للقرينة.

وجمع الطيبي بينهما بأنه كان يصومه كله في وقت ويصوم معظمه في آخر، لئلا يتوهم وجوبه كله كرمضان.

وتعقب بأن قولها كان يصوم شعبان كله يقتضي تكرار الفعل، وأن ذلك عادة له على ما هو المعروف في مثل هذه العبارة.

وقد اختلف في دلالة كان على التكرار فصحح ابن الحاجب أنها تقتضيه.

قال وهذا استفدناه من قولهم كان حاتم يقري الضيف وصحح الرازي أنها لا تقتضيه لا لغة ولا عرفا.

وقال النووي إنه المختار الذي عليه الأكثرون والمحققون من الأصوليين.

وذكر ابن دقيق العيد أنها تقتضيه عرفا فالتعقب مبني على أحد القولين.

وجمع أيضا بأنه كان يصوم تارة من أوله وأخرى من وسطه وأخرى من آخره وما يخلي منه شيئا بلا صيام لكن في أكثر من سنة وتعقب بأن أسماء الشهور إذا ذكرت غير

وفي مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 360)

قال الطيبي: أراد بصيام شهر الله صيام يوم عاشوراء اه فيكون من باب ذكر الكل وإرادة البعض.

ويمكن أن يقال أفضليته لما فيه من يوم عاشوراء لكن الظاهر أن المراد جميع شهر المحرم.

وفي خبر أبي داود وغيره صم من المحرم واترك صم من المحرم واترك صم من المحرم واترك.

وأما حديث صوم رجب فقال بعض الحفاظ إنها موضوعة.

قال ابن حجر: قال أئمتنا أفضل الأشهر لصوم التطوع المحرم ثم بقية الحرم رجب وذي الحجة وذي القعدة.

انتهى



قلت:

وأما حديث أبي داود فهذا سنده ونصه:

حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن سعيد الجريرى عن أبى السليل عن مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمها أنه أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم انطلق فأتاه بعد سنة وقد تغيرت حالته وهيئته فقال يا رسول الله أما تعرفنى قال « ومن أنت ». قال أنا الباهلى الذى جئتك عام الأول. قال « فما غيرك وقد كنت حسن الهيئة ». قال ما أكلت طعاما إلا بليل منذ فارقتك. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- « لم عذبت نفسك ». ثم قال « صم شهر الصبر ويوما من كل شهر ». قال زدنى فإن بى قوة. قال « صم يومين ». قال زدنى. قال « صم ثلاثة أيام ». قال زدنى. قال « صم من الحرم واترك صم من الحرم واترك صم من الحرم واترك ». وقال بأصابعه الثلاثة فضمها ثم أرسلها.

فقال فيه شيخنا الألباني في ضعيف أبي داود (2/ 283):

( إسناده ضعيف؛ لجهالة مجِيْبة الباهلية، وقيل: مجيبة الباهلي،

وقيل غير ذلك. قال الذهبي: " غريب لا يعرف ". وقال المنذري:"وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك، وهو متجه ") .



والخلاصة مما سبق:
 أن شهر المحرم يستحب صيام أغلبه،ولو صامه كله تارة في بعض السنين فلا ضير، والله أعلم.

المصدر:الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها




                                                                                                                                                                                                
  لا تنسى أن تحصل على نسختك من القلم القارئ 
هى خير هدية فى شهر محرم وتاسوعاء وعاشوراء
تهادوا تحابوا










 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق