الاثنين، 19 مايو، 2014

القرآن الكريم
















القرآن الكريم











تعريف القرآن




القرآنُ الكريم كلامُ الله المنزَّلُ على نبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم، المنقولُ إلينا نقلًا متواترًا على الأحرف السبعةِ، المكتوب بين دفَّتي المصحف، المحفوظُ بين السطورِ، المتعبَّدُ بتلاوتهِ، المعجزُ في ألفاظهِ و معانيهِ، المتحدَّى بأقصرِ سورةٍ منه.

والقرآنُ جميعهُ بسورهِ وآياتهِ وكلماتهِ كلامُ الله تعالى حقيقة، وليس كلامَ أحدٍ من الإنس أو الجنّ أو الملائكة، أسْمَعَهُ اللهُ للمَلَكِ جبريلَ عليه السلام، فنزَلَ بهِ مُبَلِّغًا إيَّاه كما سمِعَهُ لرسول الله محمدٍ صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) [النحل: 102]، وقال: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ، نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) [الشعراء: 192-194].

وقد اختُصَّت الأمَّةُ الإسلاميةُ بحفظهِ في صدورها عن ظهر قلب، وهو أمرٌ لم يتوافر للكتب السابقة عليه.

كما تحدَّى الله الإنس والجنّ أن يأتوا بمثله أو ببعضه فعجزوا عن ذلك، مع توافر دواعي أعدائه على معارضة القرآن، وعلوِّ رتبتهم في الفصاحة والبلاغة.

فالقرآن ليس كشعرِ العربِ ولا نثرهم ولا أفانينهم من الكلام، مع أن حروفَهُ من حروفِ كلامهم، ومفرداتهِ من مفرداتهم، فلم يجدوا له في ألسنتهم مع الفصاحة، ولا في عقولهم من الرَّجَاحةِ ما يُمَكِّنُهُم به أن يأتوا بمثل أقصرِ سورةٍ منه، فقد أبَتْ قوانينُ الشِّعرِ وأساليبُ النثرِ ولوائحُ الأنظمةِ أن يُقَايَسَ بها ويجري عليها؛ ذلك أن القرآن كلامُ الله وصِفةٌ من صفاتهِ، فكما لا مِثْلَ له في ذاتهِ وصفاتهِ كسمعهِ وبصرهِ، كذلك لا مِثْلَ له في كلامهِ.





فضل القرآن الكريم




أنزَلَ اللهُ القرآنَ كِتَابَ هِدَايةٍ ورحمة، ونورًا وضياءً، أخرجَ اللهُ بهِ البشريةِ من جاهليةٍ مستحكمةٍ، و ضلالةٍ عمياء، كتابٌ خُتِمَت بهِ الكُتبُ المنزَّلة، فهو ينبوع الحكمةِ، وآية الرسالةِ، ونور الأبصارِ والبصَائرِ، ولا طريقَ إلى الله سواه ولا نجاةَ بغيرهِ.

قال تعالى: (وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) [العنكبوت: 51].

وقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 57].

وقال عليه الصلاة والسلام: (ما من الأنبياءِ نبيٌ إلا أعطيَ من الآياتِ ما مثلُه آمنَ عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيتُه وحيًا أوحاهُ اللهُ إليَّ، فأرجو أن أكونَ أكثرهم تابعًا يوم القيامة).

وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهُ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثلِ الأُترُجَّة ريحُهَا طيِّب وطعمُها حُلوٌ، ومثلُ المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة، لا ريحَ لهَا وطعمها طَيِّب،  ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحُهَا طيِّب و طعمُهَا مُرٌّ، ومثلُ المُنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثلِ الحنظَلَةِ ليسَ لها ريح وطعمها مر).

وقد وردت آياتٌ كثيرةٌ وأحاديثُ عن النبي المعصومِ صلى الله عليه وسلم دالَّةٌ على فضلِ القرآن ِ عامَّةً، وأحاديث في فضلِ بعض سورهِ وآياتهِ، ولسنا هنا في مقامِ إيرادها واستقصائها.

ولو أراد بشرٌ حصرَ فضل القرآنِ الكريم وبيان عمومِ بركتِهِ وخَيْريَّتِهِ، لوقفَ قلمهُ دونَ هذا الأمر، ولما استطاعَ الإحَاطَةَ به. ومما يدل على عظمة القرآن الكريم وعلو منزلته كثرة أسمائه، فكثرة الأسماء تدل عل شرف المسمى،

 فمن أسمائه:

1. القرآن: وهو اسمهُ المشهور، الدَّالُّ على عظمتهِ ومكَانتهِ، قال تعالى: (إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ) [الواقعة: 77].

2. الفرقان: وسميت سورة من سورهِ بهذا الاسم، قال تعالى في مطلعها: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا) [الفرقان: 1].

3. الكتاب: قال جلَّ وعلا: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) [البقرة :2].

4. الذِّكر: قال سبحانه: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر:9].

5. التنزيل: قال جلَّ ذكرهُ: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الشعراء: 192].

6. كلام الله: كما قال تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ) [التوبة : 6].





عناية الأُمَّة بالقرآن




لقد اعتنى الصَّحبُ الكرامُ رضي الله عنهم بالقرآنِ العظيمِ عِنَايةً عظيمةً فائقةً، إذ همُ الجيلُ الأَوَّلُ والطبقةُ الأولى التي نَقَلتْ لنَا كِتابَ اللهِ سبحَانهُ وتعالى؛ لأنهم أدركوا نعمةَ هذا الكتاب، وأحبُّوهُ من كلِّ قلُوبهم، ومَلَكتْ محبَّتهُ عليهم مشَاعرهم، واشتُهِرَ منهم جمَاعةٌ بالقراءةِ كعبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.

وكان بعضهم يحتطبونَ بالنهار، ويتدارسونَ القرآن الكريم بالليل، فسُمُّوا بِالقُرَّاءِ.

وكان الصحابة رضي الله عنهم يجمعون بينَ حفظ القرآن وفهمهِ والعملِ به، قال ابن مسعود رضي الله عنه: ((كان الرجلُ منَّا إذا تَعَلَّمَ عشر آيات لم يتجاوزهنّ حتى يعرفَ معانيهن، والعمل بهنّ)) ، فكانوا إذا تعلموا – عشر آيات لا يجاوزونها حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل .

وهذا منهجٌ سلكُوهُ في أخذ القرآن، فلذلك كان كثيرٌ منهم يبقُون مدَّةً طويلةً في حفظ القرآن الكريم، لا يحفظونهُ في فترةٍ قصيرة، فلذلكَ جاء أنَّ ابن عمر رضي الله عنه مكثَ في حفظ سورة البقرة ثمان سنين.

ومن مظاهر عنايتهم رضي الله عنهم بالقرآن أنهم كانوا ربما يتناوبون في تعلمه، بمعنى: أنهم لم يكونوا جميعًا حضورًا بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فينزل عمر يومًا، فيتعلم ما نزل من الوحي وغيره، وينزل الأنصاريُّ فيتعلم ما نزل من الوحي وغيره، ثمَّ إذا رجعا يعلم كلُّ منهم الآخر.

كذلك من عنايتهم به رضي الله عنهم أنهم كانوا يتعلمون الوقف والبدء، كيف يقفون على بعض الألفاظ القرآنية، وكيف يبدؤون بها.

وكذلك اعتنوا بألفاظِهِ عنايةً فائقة، وكانت هذه العنايةُ ممهِّدة ومقدمة لنقل علومِ القراءات جميعًا، وعلمُ التجويدِ مضمَّن في نقلِ القراءاتِ، فالتجويدُ عبارةٌ عن بنيةٍ تحتيةٍ أو قاعدةٍ أساسيةٍ لعلمِ القراءاتِ، فتعلَّموا مبادئ التلاوةِ إضافةً إلى سليقتهم العربية، يعني: هنالكَ أمورٌ في التلاوةِ يُحكمُها العربي بطبعهِ، لكن هناك بعض المسائل لا تُحكمُ إلا بالتلقي والمشافهة، فلذلك هم أيضًا أحكموا هذه الكيفيات، وهذه الأنواع، وهذه المقادير، فنقلوها بأمانة وصدق إلى الأجيال التي تليهم.





كتابة المصحف وطباعته




كُتِبَ القرآنُ الكريمُ باللسان الذي نزل به، وهو اللسان العربي، والأمةُ العربية كانت أمَّةً أميَّة، كما أخبر صلى الله عليه وسلم:

((إنَّا أمَّةٌ أُمّيَّةٌ لا نكتُب، ولا نحسِب))، وهذا على الغالب، يعني: أن الغالب على العرب كان عدم الكتابة، إذ كانت معرفةُ الخط فيهم قليلةً جدًا، وإلا كان هناك أفذاذ منهم -أفراد- يكتبون باللغة العربية وبالخط العربي، ويكتبون بخطوطٍ أخر.

وقد نقل عرب شمال الجزيرة، الذين كانوا على تخوم الشام، الخط والكتابة العربية إلى منطقة الحجاز – مكة والمدينة – بسبب قيام مملكةٍ لهؤلاء العرب أقيمت في شمال الجزيرة وجنوب الشام تعرف بمملكة الأنباط، وهم قومٌ من العرب يُعرفون بالنَّبط، وكانت عاصمتهم مدينةً منحوتةً في الصخرِ تُسمَّى ((سَلْعًا))، وهي إلى الآن قائمة، تقع في جنوب الأردن، وهي مدينة البتراء، فهؤلاء الناس أقاموا مملكة، وكان عندهم شيءٌ من التحضر فاتَّصلوا بأهل الحيرةِ والأنبار في العراق؛ وذلك بسبب ما كان بين عرب جنوب العراق وقبائل شمال الحجاز من علاقات تجارية وأدبية، ونقلوا شيئًا من خطوطهم.

وبدأت الكتابة تزدهر بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وأخذ الخط ينتشر بين الناس، و حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليم الكتابة لأصحابهِ، وجعل فدية من كان عارفًا للخط من أسرى قريش يوم غزوة بدر تعليم الكتابة عشرة من غلمان المدينة، فعن ابن عباس قال: ((كان ناسٌ من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء، فجعل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فداءهم أن يعلِّموا أولاد الأنصار الكتابة)).

أما بالنسبة إلى كتابة المصحف الشريف في عهده صلى الله عليه وسلم فكانت بالخط الحجازي المنتشر في تلك الفترة، والذي كان خاليًا من نقاطِ إعجامِ الحروف، ومن الحركات عليها، وَفق الأدوات المتاحة في ذلك العصر.

واهتم المسلمون بالخط وكتابة المصاحف اهتمامًا عظيمًا، و مَهَر جماعةُ من الخطَّاطين على مرِّ العصور في هذا الجانب، وكان بعضهم خطُّه بارعًا وجميلًا جدًا.

وظلَّ الخطُّ العربي يتطوَّر قليلًا قليلًا، ومع بزوغ فجر القرن الثالث الهجري انتهت رئاسةُ الخطِّ إلى الوزير أبي علي محمدٍ بن عليٍّ بن مقلة (ت:328 هـ)، فهذا الرجلُ طوَّر الخط العربي، وأضاف إليه بعضُ التحسينات، ويقال: إنه أوصل أنواع الخط إلى ستة خطوط، هي: الثلث، والنَّسخ، والتوقيع، والرَّيحان (نسبة إلى أعواد الرَّيحان؛ لتداخل حروفه)، والمحقَّق (خط الورَّاقين)، والرِّقاع (وهو قريبٌ من الثُلث واستعمل في ديوان الإنشاء).

واهتمَّ أهل ُ بغداد بالخط العربي اهتمامًا كبيرًا، إذ بلغ الخطاطون البغداديون منذ العصر العباسي إلى زماننا الحاضر ما يقارب نحو (500) خطاط، وهذا عددٌ عالٍ في مدينةٍ واحدة، لذلك جاء أحد المعاصرين وهو خطاط المجمع العلمي العراقي الشاعر وليد الأعظمي (ت: 1425 هـ)، وألَّفَ كتابًا من مجلدين سماه: ((جمهرة الخطاطين البغداديين))، جمع فيه كلَّ من اعتنى بالخط من أهل بغداد.

وانتشر الخط المغربي في شمال إفريقيا ووسطها وغربها وفي الأندلس، ويبدو أنَّ ظهور هذا الخط كان أولًا في القيروان التي أنشئت عام (50 هـ)، وهو خطٌ طُوِّرَ عن الخط الكوفي الذي خُصِّصَ لكتابةِ المصاحف في تلك المنطقة، وغدا هذا الطرازُ معروفًا بخط القيروان؛ نسبةً إلى المكان الذي بدأ تطَوُّرُهُ فيه.

واهتمت الدولة العثمانية بالخطوط اهتمامًا عاليا، ومهر جماعةٌ كبيرةٌ من الخطاطين العثمانيين والأتراك، وآلَ الاهتمامُ بالخط العربي بعد الخلافة العباسية إلى الدولة العثمانية فاعتنت به عناية بالغة، ونبغ جماعةٌ من الخطاطين الأتراك في كتابة المصحف.






نزول القرآن




لم يَدَّعِ رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ القرآن من تأليفه، ولا نَسَبَهُ لِنفسه، ولكنه أخبر أنه وحيٌ أوحاه الله إليه، نزل به جبريل عليه مفرقًا في ثلاث وعشرين سنة، وأكد الله تعالى هذه الحقيقة في القرآن الكريم، إذ قال: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) [سورة الأنعام : 19]، كما نفى عنه أية صفة أخرى غير صفة الوحي: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) [سورة النجم : 4]، (قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ) [الأعراف : 203]، وقال: (إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ) [يونس : 15]. ولا ريب أن موضوع الوحي أمرٌ غيبيٌ، لا يمكن للبشر أن يدركوا حقيقته بحواسهم، أو أن يكشفوا عن طبيعته بعقولهم المجردة، ولهذا فإن المصدر الوحيد الصحيح لمعرفة حقيقة الوحي هو القرآن المُنَزَّلُ من عند الله، و رسولُ الله الذي نزل عليه الوحي، وقد تحدَّثَ القرآن عن الوحي، وبيَّن أنه ليس من شأن البشر التلقي عن الله تعالى مباشرة، حين قال: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ، وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) [الشورى : 51- 53].

وتكرر نزولُ جبريلَ عليه السلام بالقرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثٍ وعشرين سنة، وكانت نتيجة ذلك نزول هذا القرآن العظيم، فقد كان رسول الله يحفظه حين ينزل عليه، ثم يأمر بكتابته، ويُعلِّمه أصحابه، فكان منهم من يحفظه كُلَّه، ومنهم من يحفظ بعضه، ثم كتبوه في المصاحف، وجمعوا بين حفظه في الصدور، وتدوينه في السطور.











جمع القرآن


استغرق نزول القرآن مفرقًا ثلاثًا وعشرين سنة، كان منها ثلاث عشرة سنة بمكة، وعشرُ سنوات في المدينة، وكان ينزل بحسب الوقائع والحوادث، فلم ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم دفعةً واحدة، وذلك من حكمة الله سبحانه؛ لتسهيل حفظه وفهمه في بيئة غلبت عليها الأميَّة، وحتى يتدرج الناس في الأحكام والتربية وانتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة، قال الله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [الجمعة: 2]

وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يختار من الصحابة من يكتب له القرآن فور نزوله، فيقول: (ادعوا فلانًا)، و يأمرهم أن يضعوا ما نزل منه في مكانه من سورة كذا في المكان الذي يُذكر فيه كذا وكذا، وكان يراجع كاتب الوحي بعد كتابته له، فإذا فرغ الكاتب من كتابته قال له: (اقرأه)، فيسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، فإن كان فيه سقطٌ أقامه، فيخرج به الكاتب إلى الناس.

وعندما تولَّى الصِّديق الخلافةَ ارتدَّت بعضُ القبائل العربية الحديثة العهد بالإسلام، وفي السنة الحادية عشرة وقعت معركة اليمامة بين المرتدين بقيادة مسيلمة الكذاب، والمسلمين بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه، واستشهد في المعركة عددٌ كبيرٌ من قراء المسلمين قُدِّر عددهم بسبعين قارئًا، ففزع عمر بن الخطاب رضي الله عنه من هذا المصاب؛ لأنه خاف ذهاب القرآن الكريم بسبب كثرة القتل في القراء، فأسرع إلى الخليفة الصدِّيق وأشار عليه بجمع القرآن الكريم في مصحفٍ واحد.

بيد أن الصديق تردد ورفض الفكرة من الوهلة الأولى، وخاف أن يضع نفسه في منزلة من يزيد احتياطه للدين على احتياط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما زال عمر يحاوره حتى شرح الله صدره، وكلف زيد بن ثابت الذي شهد العرضة الأخيرة، وكان شابًا ثقةً مأمونًا عاقلا، وكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة وقال له: ((إنك رجلٌ شابٌ عاقلٌ لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه)).

وكان لا يكتب شيئًا حتى يشهد شاهدان فأكثر على كتابته وسماعه من الرسول صلى الله عليه وسلم؛ مما يدلُّ على حرصه رضي الله عنه على الجمع بين الحفظ والكتابة زيادةً في التوثيق والاحتياط، ورتَّبه على وفق العرضة الأخيرة التي سمعها من الرسول صلى الله عليه وسلم. وقد راعى زيدٌ في كتابة الصحف أن تكون مشتملةً على ما ثبتت قرآنيته بطريق التواتر، وما استقر في العرضة الأخيرة ولم تنسخ تلاوته بإجماع الصحابة، وحرص على ترتيب السور والآيات جميعا؛ لذلك قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ((أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر؛ فإنه أول من جمع بين اللوحين)). وبقيت صحف القرآن المجموعة برعاية أبي بكر، ثم عمر، ثم انتقلت إلى حفصة أم المؤمنين رضي الله عنهم.

انتشر الإسلام في أرجاء الأرض، وأخذ الداخلون في الإسلام يتفقهون في دين الله، ويتعلمون القرآن الكريم في الأمصار الإسلامية، واتسع مع ذلك نسخ المصاحف وَفق ما أقرأ الصحابةُ الناس، وكلُّ مسلم يقرأ القرآن كما تلقَّاه في بلده، وكان المسلمون عند التقائهم في المناسبات المختلفة يسمع بعضهم قراءة بعض، فيلحظون اختلافًا في وجوه القراءة بينهم، وتمسك كلٌ بالقراءة التي بلغته من الصحابة، وصار كلُّ بلدٍ يرون ما هم عليه هو الصواب، فنشب الخلاف وقدم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه إلى المدينة عائدًا من فتوح أرمينية وأذربيجان، وكان من جملة من غزا معهم، وقد شاهد ما حصل بين أفراد الجيش من أهل الشام والعراق من اختلاف في قراءة القرآن، فدخل على الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقال: ((يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى)). فقام عثمان بن عفان رضي الله عنه في أواخر سنة (24 هـ) وأوائل (25 هـ) بمشاورة إخوانه من الصحابة رضي الله عنهم، واتخذ الخطوات التالية:

دعوة الصحابة إلى كتابة مصحفٍ إمامٍ يجتمع المسلمون في بلدانهم على القراءة فيه، فخاطبهم بقوله: ((اجتمعوا يا أصحاب محمد، واكتبوا للناس إمامًا)).
اختيار أربعةٍ من أجلاء الصحابة رضي الله عنهم لكتابة المصحف، وهم: زيد بن ثابت من الأنصار، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبدالرحمن بن الحارث بن هشام من قريش، وكانوا على قدرٍ كبيرٍ من العلم والفصاحة؛ ومن تأمل سيرتهم، وما تحلَّوا به من قدراتٍ علميةٍ وأخلاقٍ عاليةٍ أدرك أنَّ اختيارهم صاحَبَتْهُ عناية الله الذي تعهد بحفظ كتابه، ثم الحرص الشديد من الخليفة الراشد عثمان وإخوانه الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
تحديد منهجٍ دقيق للكتابة.
وكان يتعاهدهم ويتابع سير عملهم، وكان من حرصهم واحتياطهم رضي الله عنهم أنهم كانوا يهتمون بملاحظة العَرضة الأخيرة وهي: عرض الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم على جبريل في عام وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مرتين. وكان زيد بن ثابت رضي الله عنه قد شهد هذه العرضة، وهذا ما أهَّلهُ ليختاره أبو بكر وعمر في الجمع الأول للقرآن، وعثمان في الجمع الثاني.

وكان هذا الجمعُ مرتبُ الآيات والسور على الوجه المعروف، الذي عليه المصاحف الآن، وعلى اللفظ الذي استقر عليه في العرضة الأخيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا جُمعَ المصحف في عهد الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه في غاية من الدقة والضبط، وبقي نصه محفوظًا من التحريف، ولم يتطرق إليه شكٌ من الزيادة فيه أو النقص منه. وأرسل عثمان رضي الله عنه مصحفًا إلى كل مصر- من الأمصار الإسلامية آنذاك.








القراءات العشر




نزل القرآن الكريم في بيئةٍ معروفةٍ بكثرة قبائلها ولهجاتها، وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أقرأني جبريل على حرف، فراجعته فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف)، وفي حديث مسلم: (إن الله يأمرك أن تُقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأي حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا).

وقد كان من رحمة الله بهذه الأمة نزول القرآن الكريم على هذه الأحرف السبعة؛ رفعا للحرج وتيسيرًا لقراءته وحفظه، وقد كانت هذه التوسعة في حدود ما نزل به جبريل عليه السلام، وما سمعه الصحابة من النبي صلى الله عليه وسلم، وكان صلى الله عليه وسلم يُعَقِّب على قراءة الصحابي بقوله: ( هكذا أنزلت)، وعلى قراءة الصحابي الثاني الذي يقرأ بوجهٍ آخر: (هكذا انزلت).

تَفَرَّقَ الصحابة في الأقاليم التي دخلها الإسلام، وكثُر الآخذون عنهم مع تعدُّد الوجوه واللغات التي يحويها نزولُ القرآن الكريم على سبعة أحرف، فكان كلٌ منهم يقرأ ويُقرئ بما عُلِّم.

ومضت المائة الأولى من الهجرة والناس يقرؤون بما في المصاحف، على ما أقرأهم الصحابة والتابعون وتابعوهم؛ ولكثرة الرواة عن الأئمة من القراء بعد ذلك في القرنين الثاني والثالث الهجريين، نظر الناس إلى إمامٍ مشهورٍ بالثقة والأمانة في النقل، وحسن الدين، وكمال العلم، وأجمع عليه أهل بلده، ولم تخرج قراءته عن خط مصحفهم المنسوب إليهم، فاختاروا من كل مصر – وَجَّه إليه عثمان رضي الله عنه مصحفًا- إمامًا هذه صفته.

فلما كانت المائة الثالثة من الهجرة تصدَّى بعض الأئمة لضبط ما رواه من القراءات، فكان أوَّل إمامٍ معتبرٍ جمع القراءات في كتاب أبو عبيد القاسم بن سلَّام الهروي (ت: 224 هـ)، وجعلهم خمسةً وعشرينَ قارئًا مع القراء السبعة المعروفين، واحتوى كتابه – أيضا – على تعليل وجوه القراءات كما ذكر أبو عمرو الداني. ثم ألَّفَ ابن مجاهد: أبو بكر أحمد بن موسى البغدادي (ت: 324 هـ) كتابه الموسوم بـ ((السبعة))، وهو أول مِمَن اقتصر على القراء السبعة المعروفين، وهم:

1. نافع بن عبدالرحمن الليثي المدني (ت: 169هـ).

2. عبد الله بن كثير الدَّاري المكي (ت: 120هـ).

3. زَبَّان بن العلاء، أبو عمرو المازني البصري (ت: 154هـ).

4. عبد الله بن عامر اليحصبي الشامي (ت: 118هـ).

5. عاصم بن أبي النُّجود الأسدي الكوفي (ت: 128هـ).

6. حمزة بن حبيب الزيَّات الكوفي (ت: 156هـ).

7. علي بن حمزة النحوي المعروف بالكسائي (ت: 189هـ).

وبهذا يتبين أنَّ الأحرف السبعة المذكورة في الأحاديث السابقة وغيرها ليست هي القراءات السبع المعروفة في زماننا اليوم.





المصدر:موقع القارئى العالمى












ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق